الشيخ السبحاني

173

رسائل ومقالات

ويأسهم . إذ قال سبحانه : « الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً » . « 1 » وحيث إنّ هذه الواقعة التاريخية الكبرى وقعت - عند منصرف النبي من حجّة الوداع - في مكان يسمّى بغدير خمّ ، سمّيت بواقعة الغدير واشتهرت بين الأجيال بهذا الاسم ، وجاء ذكرها في أغلب القصائد والأشعار . لم يكن يوم الغدير أوّل يوم نوّه فيه رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم بمقام عليّ عليه السلام وفضله ومنقبته ، ولا آخره ، بل كانت النبوّة والإمامة منذ فجر الدعوة الإلهية صنوين . فقد أصحر النبي بإمامة وصيه ووزارة وزيره يوم جهر بدعوته بين قومه وأُسرته في السنة الثالثة من بعثته ، يوم أمره سبحانه بإنذار الأقربين من عشيرته . فدعا الأقربين إلى داره فخاطبهم بقوله : « واللَّه الذي لا إله إلّا هو إنّي رسول اللَّه إليكم خاصّة وإلى الناس عامّة . . . فأيّكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم ، فأحجم القوم عنها جميعاً ، وقلت وإنّي لأحدثهم سنّاً ، وأرمصهم عيناً . . . أنا يا نبي اللَّه . . . فأخذ برقبتي ، ثمّ قال : إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم » . « 2 » كان النبي الأعظم واقفاً على خطورة الموقف وعظم مقام القيادة فكان يهيّئ زعيم الأُمّة والقائم بعده بأعباء الخلافة حيناً بعد حين ، بأساليب مختلفة ، فتارة يشبّهه بهارون « 3 » ، وأُخرى بأنّه وأولاده أحد الثقلين « 4 » ، وثالثة بأنّهم كسفينة نوح « 5 »

--> ( 1 ) . المائدة : 3 . ( 2 ) . تاريخ الطبري : 2 / 63 ، مسند الإمام أحمد : 1 / 159 . ( 3 ) . مستدرك الحاكم : 3 / 109 ، وصحّحه الذهبي في تلخيصه على شرط مسلم . ( 4 ) . مسند الإمام أحمد : 5 / 182 و 189 . من حديث زيد بن ثابت بطريقين صحيحين . ( 5 ) . مستدرك الحاكم : 3 / 151 ، من حديث أبي ذر .